مصادر الدفء في الشوارع هذه الأيام لا تعد أو تحصى. فبالإضافة إلى مئات المطاعم والمقاهي والمحال التي تتفنن في دغدغة مشاعر البردانين والدق على أوتار الجائعين، فإن آلاف الشباب والشابات الهاربين من براثن البطالة يشاركون في الدغدغة والدق بمشروعات متناهية الصغر في كل شارع وميدان. عربة صغيرة لقلي الزلابية وبلح الشام، ثم إغراقها في عسل غزير، وإلى جوارها أخرى تبيع حمص الشام أو "الحلبسّة"، حيث الحمص غارق في خليط رهيب قوامه الشطة أو الفلفل الحار المكثفة الكفيلة بالمساهمة في مزيد من إذابة الجليد بالقطب الشمالي المتجمد، وثالثة تقدم الذرة الحلوة الغارقة إما في عسل النحل أو الزبدة مع الملح والفلفل.
مشروعات صغيرة وسعرات كثيرة
سلاسل عربات الطعام في شوارع المدن المصرية شديدة البرودة لم تترك أكلة شتوية إلا وطهتها أو مشروباً شتوياً إلا وجهزته. وفي المقابل، فإن جموع المصريين لم يقصروا في الإقبال على كل ما يؤكل ويشرب، ومن شأنه أن يواجه موجة البرودة ويدحض الشعور بالصقيع، لكن الثمن سيكون باهظاً.
نحو 200 غرام من شوربة العدس بالخبز المحمر في الزبد، وحصة من "سدّ الحنك" (حلوى مصنوعة من السمن والطحين والسكر)، يعقبها كوب من الكابتشينو بالكريمة كاملة الدسم ونكهة الكراميل اللذيذة وجبة شارعية بسيطة ليست باهظة الثمن. كذلك طبق الكشري يعقبه الأرز باللبن بالقشدة ثم كوب من السحلب بغرض الهضم وغيرها ليست باهظة الثمن من حيث المدفوعات المالية، لكن المدفوعات الغالية والثمن الباهظ يحين وقتهما عند بدء التحلل من طبقات الملابس الشتوية التي تحجب ما تم تراكمه من شحوم وما ترسب في كل مكان من دهون وما برز هنا وما تفجر هناك.
حقائق الشتاء والأكل
هناك عدد من الحقائق الخاصة بالشتاء وبرودة الجو. الأولى هي أن عدد ساعات النهار الأقصر وبرودة الجو يساعدان على التقليل من معدل وكمية الحركة. والحقيقة الثانية هي أن "الاضطراب الموسمي العاطفي" يضرب كثيرين دون أن يشعروا أو يعرفوا بالضرورة المقصود منه، لكن التغيرات في المزاج التي تصيب البعض باكتئاب في الأجواء الباردة تدفع أحياناً إلى البحث عن الراحة والسلوان في طبق بليلة إضافي أو حصة سد الحنك غير ضرورية أو لوح شوكولا لم يجد من يأكله في البراد منذ أشهر. وحتى إذا كانت العين المجردة تشير إلى أن القاعدة الجماهيرية العريضة المصطفة أمام عربة البليلة أو كشك الزلابية أو غلاية السحلب ليست مصابة باضطراب موسمي عاطفي، بل بإفراط غذائي جماعي.
مجموعة طلاب وطالبات الجامعة المتجمهرة حول سلسلة عربات أطعمة في منطقة "الكوربة" في حي مصر الجديدة (شرق القاهرة) في ليلة لم تزد درجة الحرارة فيها على 2 درجة مئوية أجمعوا على أن "اللمة تحب الأكل" وفي أقوال أخرى أن "الأوقات الشتوية الجميلة لا تكتمل إلا بأكلات تدفئ البطون والأطراف".
قلقاس وعدس
وعلى الرغم من اختلاف المواقف والرؤى فيما يختص بمغبّة هذا النوع من الدفء المعبأ بالسعرات الحرارية التي لا تنتهي آثارها مع نهاية فصل الشتاء، وعلى الرغم من ردود الفعل المغايرة بين مهتمين قلقين على مظهرهم جراء نوبات الأكل والشرب العاتية في الشتاء، وغير مهتمين وغير قلقين مما ستخلفه أكواب السحلب وأطباق العدس وسلاطين القلقاس وفناجين القهوة بالكريمة والنكهات من كيلوغرامات إضافية لن تفلح ملابس الصيف الخفيفة من تمويهها أو تجميلها عكس ملابس الشتاء متعددة الطبقات الحاذقة في إخفاء النتوءات والزيادات، إلا أن الكيلوغرامات الإضافية المكتسبة شتوياً توحد الغالبية.
الأقلية فقط من أصحاب الإرادات القوية في ممانعة السحلب ومقاومة العدس بالخبز الغارق في الزبد، أو من ذوي القدود غير القابلة لاكتساب الوزن الزائد على الرغم من الأكل الوافر، أو من أصحاب الإرادات الفولاذية الذين يداومون على برامج رياضية على الرغم من برودة الأجواء هي من يمضي شتاؤها دون آثار جانبية مدمرة للقوام وهادمة للرشاقة.
الطريف أن فئة عريضة من الباحثين عن طرق تجنب زيادة الوزن في فصل الشتاء على مواقع الإنترنت المختلفة ينقبون عن المعلومات وهم يسلون أنفسهم بقرمشة محتويات كيس مكسرات أو التهام طبق من فتة القلقاس وشرب كوب من الشوكولا الساخنة مع سكر "دايت" أو مياه غازية "لايت".
في مصر، وسواء أكان المصريون في أعلى الهرم الطبقي، أو قابعين عند القاعدة العتيدة العريضة، يبقى الشتاء مصدراً للبليلة، سواء كانت قمحاً وماء فقط أو قمحاً وقشدة وكنافة ومانغو. كما يبقى الفصل البارد مصدراً لزيادة السعرات وتراكم الكيلوغرامات والتحام الطبقات الاجتماعية في أطباق ومشروبات ترفع راية الدفء الشتوي.
0 التعليقات:
إرسال تعليق